الخميس 25 أبريل 2019 2:53 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تغييرا وشيكا في الجهاز الفني للنادي الأهلي بعد الخروج من بطولة أفريقيا؟

الإرهاب وصدام الجهالات

نشر فى : الإثنين 15 أبريل 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الإثنين 15 أبريل 2019 - 10:10 م

إحدى أهم المخاطر التى تواجه عالمنا اليوم الذى يصفه البعض بالقرية الكونية ولو أفضل وصف المدينة الكونية، كون القرية عادة تتسم الحياة فيها بالسكون والتناغم المجتمعى فيما المدينة تمثل الضجيج والتوتر والاختلاف، هو انتشار الأصوليات من دينية وقومية وعرقية وغيرها. الأصوليات التى جاءت نتيجة لانتعاش الهويات الأصلية التى بعضها عابر للدولة الوطنية فى انتماءاتِهِ. وذلك على حساب الهويات الوطنية الجامعة وعلى حساب القيم العالمية المشتركة. أسباب عديدة تقف وراء ذلك كله منها الفشل فى بناء أو فى صيانة هوية وطنية مشتركة أو نتيجة لسياسات التهميش والإقصاء التى قد تصل إلى حد الإلغاء مما يعزز من ردود فعل تقوم على الانطواء والانعزال والتقوقع والقطيعة ثم العداء والخوف المطلق من الآخر المختلف فى الوطن أو فى الدين أو فى العرق. مشاعر تؤدى إلى شيطنة الآخر وتحميله جميع المسئولية عن ما آلت إليه أوضاع الجماعة التى ينتمى إليها هذا الشخص الخائف فى قيمه والمخيف فى سلوكياته. فمسببات اقتصادية قد لا يكون الطرف الآخر المصنف عدوا بالمطلق مسئولا عنها، يحمل تلك المسئولية: إنها ثقافة التعميم والاختزال والتبسيط. ما يساهم فى انتشار هذه الأصوليات أيضًا أنماط معينة من التعليم والتثقيف تساهم فى شحن النفوس باتجاه البحث عن العدو وهو الآخر المختلف فى الهوية الوطنية أو الدينية أو العرقية وتحميله جميع المسئولية فيما آلت إليه أوضاع الجماعة التى يريد أن يعبر عنها بشكل وحيد أصحاب تلك الأصوليات، أصوليات تعبر عن ذاتها عبر إيديولوجيات تبسيطية كلية تقيم الجدران فى وجه «الآخر».

إيديولوجيات متطرفة تدعو للجهاد والقتال ضد الآخر المختلف. تقوم على ثنائيات قائلة والغائية واختزالية بين الخير والشر، النحن والهم. نراها فى حركات إرهابية مثل داعش والقاعدة ومتفرعاتهما. ونراها أيضًا فى حركات عنصرية فى الغرب كانت إحدى جرائمها الأخيرة مذبحة المسجدين فى نيوزيلندا. فالانقسام والصراع المفتوح الذى يحمله ذلك الانقسام معولم فى سلوكياته. أوضاع اقتصادية عالمية وإقليمية ووطنية تفرز بين مستفيد ومهمش وصراعات استراتيجية وسياسية ونزاعات مختلفة قائمة على ترابط الداخلى بالخارجى كما نرى بشكل خاص فى المنطقة العربية وتغيرات بيئية مناخية خطيرة أيضًا فى تداعياتها المجتمعية والأمنية كما نرى فى إفريقيا كلها تدفع نحو الهجرات واللجوء فترفع من حدة المخاوف والصدامات هنا وهناك.

ليس صحيحًا أو دقيقًا الحديث عن صدام الحضارات حسب مقولة صامويل هانتجتون يجرى هو صدام باسم الحضارات بين أطراف أصولية إلغائية للآخر تدعى أو تصادر التحدث باسم حضارة أو ثقافة أو دين أو عرق معين. والتسليم بهذا المنطق الاختزالى التبسيطى التعميمى للحديث عن صدام الحضارات ليس غير دقيق وغير صحيح فسحب بل إنه يصب موضوعيًا وعمليًا فى خدمة خطاب الكراهية والإلغاء والخوف والتخويف من الآخر. نحن فى حقيقة الأمر كما قال أكثر من كاتب نعيش فى «صدام الفوبيات» أو المخاوف وصدام «الجهالات والأصوليات» التى تريد مصادرة التحدث باسم الهوية التى تنتمى إليها أطرافها المتصادمة.

إن مواجهة هذا التحدى فى جذوره هو الأساس ويتطلب مقاربة شاملة مترابطة الأبعاد من ثقافى واجتماعى ودينى وتعليمى وتاريخى وسياسى واقتصادى لتحديد موضوعى وعلمى للمسببات التى توظف فى التعبئة والاستقطاب لإنتاج هذا الفكر الإلغائى والإقصائى والصدامى مع الآخر المختلف.
إن الصدام فى حقيقة الأمر يبدأ أو يجب أن يكون ضمن كل فضاء حضارى، دينى، وطنى، بين من يؤمن بأن الاختلاف لا يعنى الإلغاء وأن التنوع لا يعنى اللامساواة وأن هنالك أسبابا موضوعية وراء ظروف معينة ضاغطة ليست حتمية قائمة خارج الزمان والمكان بل يمكن معالجتها أيًا كانت صعوباتها.

إن هذه المقاربة القائمة على الانفتاح واعتماد منطق النقد الذاتى لمنظومة القيم والتعليم والثقافة بغية تخليصها من تلك الشوائب أو التعليلات والتفسيرات «الحتمية» القاتلة هو المدخل الواقعى والسليم والصحيح لمواجهة ناجحة لهذا التحدى العالمى الذى لمصلحة الجميع مواجهته والتغلب عليه.

ناصيف حتى كاتب سياسى لبنانى
التعليقات