عرب وكرد

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 30 أكتوبر 2017 - 9:00 م بتوقيت القاهرة

بتجميد إقليم كردستان العراق إعلان نتائج الاستفتاء على الانفصال، وتسارع الحديث عن غروب مرحلة رئيس الإقليم مسعود برازانى أشد المتحمسين للانفصال عن بغداد، يدخل أكراد العراق بشكل خاص، والأكراد بشكل عام، مرحلة جديدة عنوانها «الإحباط»، بعد أن منيت محاولاتهم لتكوين دولة تجاور العرب والفرس والترك، بضربة قوية تؤكد أن الرياح الدولية، قبل الإقليمية، لا تزال غير مواتية لتحقيق المشروع الكردى، وربما يحتاج الأكراد إلى سنوات طوال قبل أن يعيدوا الكرة مرة أخرى سعيا للاستقلال.

التراجع الكردى عن إعلان نتائج الاستفتاء، بعد أن أصر برزانى على إجرائه متجاهلا كل الأصوات، سواء العراقية أو الإقليمية أوالدولية، أو حتى الكردية التى حذرته من هذه الخطوة، جعلنى أتذكر شعور الأكراد بخيبة الأمل عقب الحرب العالمية الأولى التى استخدمت الأطراف المتقاتلة فيها الكرد وقودًا فى معاركها لكنهم خرجوا خاليى الوفاض ليبقوا مشتتين بين عدة دول أهمها تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا، قبل أن تدخل أحلامهم فى الاستقلال كهف الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.

خيبة الأكراد تلك جسدها عرضيًا أحد مشاهد الفيلم أو التحفة الحربية التى تناولت جانبًا من وقائع الحرب العالمية الثانية «مدافع نافارون»، إنتاج عام 1961 عن رواية للكاتب الأسكتلندى ألستر ماك لين، وبطولة جريجورى بيك وأنطونى كوين، وإيرين باباس، وديفيد نفين، وإخراج لى طومسون. 

خلال مشهد فى الفيلم عن استعداد مجموعة كوماندوز من دول الحلفاء، لتدمير مدفعين عملاقين أقامهما الألمان فى جزيرة يونانية، يجلس عدد من أفراد الفريق فى غرفة بأحد المعسكرات لمناقشة كيفية تنفيذ المهمة، فيكتشف (أنطونى كوين) بحسه الأمنى أن هناك من يتنصت على الاجتماع، قبل أن يفتح بابًا فجأة ليجد خلفه رجلًا بائسًا ادعى فى البداية أنه أخرس، لكن ضابطًا من أفراد المعسكر يحضر على عجل ليخبرهم أنه خادم كردى يعمل لصالحه، وعقب مشادة حامية بين الضابط وفريق الكوماندوز يتم التخلص من الكردى بدلًا من مكافأته، لأن «دوره انتهى».

وفى الواقع، لا السينما، خرج الأكراد رغم التحولات السياسية العديدة فى المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى، من دون أى جائزة بعد أن استخدمتهم القوى الكبرى، كما فى الفيلم، للعب دور محدد، ينتهى عادة على طاولة التسويات، وهو ما ولد غصة لدى الأجيال الكردية المتعاقبة، التى ربما يحاول بعضها تنفيس همومه من وقت لآخر بإلقاء اللوم على العرب، والسعى لتسوية المشكلة الكردية على حسابهم.

وأحيانا تعكس المشاعر التى تظهر عفويًا جانبًا من قناعات الإنسان، فقد كنت أستقل «تاكسى» فى العاصمة الألمانية برلين، قبل شهرين، عندما باغتنى السائق بكلمات عربية بلهجة اعتقدت فى البداية أنها عراقية، لكنه، قال إنه كردى سورى من مدينة كوبانى، كان ردى التلقائى «يعنى من عين العرب»، الاسم الذى عرفت به منذ أوائل القرن العشرين، تغيرت ملامح الرجل وبدا غاضبا بطريقة شعرت معها بالقلق ليجرى بيننا هذا الحوار.

السائق: كيف تكون عين العرب وسكانها جميعا من الكرد؟!.. أنتم أيها العرب تتجاهلون مأساتنا، وكل همكم الدفاع عن فلسطين، ولا تذكرون أننا دافعنا مثلكم عن فلسطين.

قلت له: يا أخى أولا عين العرب بغض النظر عن مدى صحة حديثك عن الوجود الكردى، أسبق فى التسمية من كوبانى، ثانيا نحن فى مصر لا نفرق بين كردى وعربى، ولدينا من تعود جذورهم إلى تركيا وأرمينيا، وإيران، وكردستان ومناطق أخرى، وكثير منا يعتقدون أن صلاح الدين محرر القدس عربى، فلسنا فى عداء مع الأكراد.

هنا هدأ الرجل وتغيرت لهجته، وقال محاولًا تلطيف الحوار إن تسمية «عين العرب» ربما لوجود نبع نزل عنده بعض العرب يوما ما، أما كوبانى فهى تعود لكلمة «كومبانى» أى الشركة التى أقامت خط سكة حديد الحجاز.

قلت: إذن هناك أصل لتسمية عين العرب، فضحك قائلا: «أنتم المصريون روحكم جميلة»، قبل أن نخوض فى حديث آخر عن ظروف حياته فى ألمانيا.

الحوار السابق ربما يعكس حالة الإحباط لدى كثير من الأكراد لعدم حصولهم على دولة مستقلة، غير أن المشكلة فى عدم استيعاب البعض منهم أن العرب لا ذنب لهم فى أصل مأساتهم، فقد دفع العرب، ولا يزالون، كما الأكراد، ثمن التوازنات الإقليمية والدولية التى تقف حتى الآن حائلا أمام حلم الأكراد فى العيش تحت مظلة واحدة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved