..فى جلباب ثورتنا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 20 أغسطس 2015 - 9:45 ص بتوقيت القاهرة

سمعت من يقول إنه كان يجب على المؤسسة العسكرية المصرية عندما استدعاها الناس فى مطلع الثورة لتحميهم من شرطة مبارك، ان تتحمل على الفور مسئولية سد فجوة عدم الثقة التى تفصل بين الشعب من جهة وقوى الأمن الداخلى من جهة أخرى. كان يجب أن تقدر وقتها أن الأجواء ملبدة بأفكار التغيير ونداءاته، وأن الشكوك المتبادلة بين القوى السياسية وشبابها بخاصة وبين بعض أجهزة الشرطة كانت تفاقمت لتصبح سببا مباشرا من أسباب الثورة. كان يجب أن تقدر أيضا، من واقع تجارب الأمم الأخرى، أن الأصل فى الأمن القومى هو وحدته، وأنه فى ساعات تعرض وحدة الأمة للخطر، تتوقف أو تنحسر مسئولية الفروع وتبرز وتسود مسئولية الجذع، أى الجيش. حدث هذا فى تطورات آسيوية عديدة، منها للتمثيل وليس الحصر، أحداث كوريا الجنوبية فى عام ١٩٨٧، وأحداث ميدان تينامين فى العاصمة الصينية فى عام 1989 وأحداث بورما فى. 1998 فى الحالات الثلاث كان الجيش العنصر الحاسم فى وقف الاحتجاجات والحد من سرعة تدهور العلاقة بين الشعب والشرطة، وفى حالتين على الأقل، كان للجيش الفضل فى الانتقال بالأمة على الفور إلى مرحلة تنفيذ الرؤية القومية للنهضة كما تبنتها قوى الاحتجاج واختزلتها شعارات الثوار.

•••

أسباب غير قليلة كانت ربما وراء صعوبة تكرار مصر لهذا النموذج الذى يضمن تحقيق التغيير «الثورى» المطلوب فى إطار استمرارية الدولة، ويضمن فى الوقت نفسه حلحلة تعقيدات العلاقة بين الشعب وقوى الأمن، فيزيح سحابة سوداء فرضت لسنوات حالة من التشاؤم المختلط بالاكتئاب والتوتر، وأثارت أمواجا من الكراهية بين فئات المجتمع بل وبين مؤسساته. الأسباب غير قليلة، ولكن أهمها أن مصر لم تكن قد مارست من قبل مبدأ خضوع جميع فروع الأمن الداخلى والخارجى لقيادة المؤسسة العسكرية القومية. فى مصر لا تخضع المؤسسات الأمنية جميع لنفس المعايير فى التقييم والتمويل والتدريب والمكانة، وبخاصة فى ظل وجود ثقافة موروثة تشجع على تناقض المصلحة واختلاف الأولويات وتنعش الطموحات السياسية لدى كبار الضباط. ترتب على هذه الظروف أن توفرت لكل مؤسسة أمنية استقلالية تجاه الأخرى، كادت فى فترات معينة تكون شبه تامة، لم يقلل من شأنها عمليات التنسيق البيروقراطى التى تجرى عادة بين أجهزة الدولة فى الأمور المشتركة.

•••

لم يحدث إلا نادرا ان خضعت جميع قوى الأمن لقيادة عسكرية موحدة. ربما كان للبريطانيين الفضل فى البداية فى الفصل بين القوى الأمنية، وربما كان لتوحد السلطتين السياسية والعسكرية لقيادة وتوجيه حاكم من أصل عسكرى خلال الستين عاما الماضية فضل آخر. وعلى عكس الشائع يبدو أن الحكام يفضلون الاعتماد فى أمنهم واستقرارهم وسلامة النخبة الحاكمة على قوى الأمن الداخلى، لاتصالها المباشر بالشارع ومصادر الاحتجاج وقوى المعارضة، وهذه يصعب عادة على الجناح العسكرى رصد جميع حركاتها والتحكم فى انشطتها .

•••

كان الرئيس مبارك، حسب معلومات بعض أركان حكمه، حريصا على تأكيد هذا الفصل بين القوتين العسكريتين، وكان بشكل عام يفضل الاعتماد على قوى الأمن الداخلى إلى حد جعله يتجاهل تجاوزات عديدة كلفته هو وعائلته وحاشيته ثمنا باهظا. أعود فأقول انه لو كانت المؤسسة العسكرية المصرية، ممثلة فى مجلسها، استفادت من الفرصة التى قدمتها لها جماعات الثوار فى الأيام الأولى للثورة، فتدخلت لإصلاح مؤسسة الأمن الداخلى، لوفرت على نفسها وعلى الثورة تضحيات كبيرة وجنبت البلاد أزمات خطيرة. كانت وفرت علينا غزوات التيارات الدينية المتطرفة وهجماتها على أقسام الشرطة والسجون وفى النهاية إجبار المؤسسة العسكرية على التعامل معها مباشرة كقوة رئيسية من قوى الثورة.

لو أنها مالت إلى التغيير لوفرت علينا كوارث الصدام بين رغبة الشعب فى التغيير ورغبة قوى الأمن فى إدانة التغيير.. لا يمكن انكار أن أفرادا، وربما جماعات، تأثرت مصالحها سلبيا بالثورة فانطلقت فى حرب لا هوادة فيها ضد «التغيير». ولا يمكن انكار أن بعض قادة المؤسسات البيروقراطية والإدارية والسياسية لن يغفروا للثورة أنها هددت مصالحهم وكشفت عن عيوب إداراتهم وعجز مؤسساتهم وفساد أخلاقهم. ولا يمكن إنكار أن إطلاق البلطجية لنشر الخراب وإشاعة أجواء الإرهاب بذر الخوف لدى الجماهير وقيادات الجيش من انفلات الثورة. تبددت طاقاتنا الفكرية والسياسية منقسمين أحيانا ومتناحرين أحيانا أخرى نحارب كلمة التغيير أو ندافع عنها. جرى فى ظل أجواء الشك هذه واستخدام قوى الأمن لأسوأ عناصر النفاق اتهام الثورة بأنها جلبت على مصر والمنطقة بأسرها الخراب والفشل وانها كانت من صنع دولة أجنبية وثمرة مؤامرة دولية. غاب عن منظمى حملة تخوين الثورة أن نجاح مؤامرة أجنبية فى تحريك شعب بأسره دليل صارخ على ان القوى المسئولة عن حماية أمن مصر وسلامتها لم تكن على المستوى اللائق. يبقى لازما على أولى أمر مصر فى مسيرتها الراهنة مساءلة كل من كان فى موقع سلطة أو أمن عن فشله فى إحباط المؤامرة قبل تنفيذها. يبقى لازما أيضا، وهو الأهم، أن تصدر توجيهات من أعلى سلطة قيادية فى الدولة المصرية لكل المسئولين بالامتناع عن الاختباء وراء قصة المؤامرة للتخلص من مسئولية الفشل فى إدارة شأن من شئون مصر قبل الثورة أو بعدها.

•••

أخشى أننا لو بدأنا نبنى قواعد لمستقبل مصر فوق أخطاء فى الممارسة السياسية والوطنية قد ينتهى الأمر بمشروعاتنا القومية العظمى إلى الفشل. إن الضغط المتواصل على الشعب المصرى ليخلع على الفور «جلباب الثورة» الذى ما انفك يعيش فيه، ويعود إلى جلاليب سبق ان خلعها فى ميادين الثورة قبل أربع سنوات، كفيل بأن يحبط خطط الاستقرار والأمل. ارتداء جلباب الثورة معناه الإصرار على التغيير، تغيير منظومة العدالة الاجتماعية ومنظومات المساواة والحريات والمشاركة والكرامة الانسانية. الناس ثارت ليس لأنها أرادت ممارسة العنف، إنما ثارت ضد جميع ممارسات العنف ومنها العنف السياسى. رفضت العنف لأنها تعرف أن الحياة الديمقراطية والهادئة والرغدة لا يمكن أن تقوم فى أجواء عنف. ليس غريبا أننا نجد الآن كل القوى المستفيدة من أجواء العنف تحرض على المزيد منه، ففى أجواء الهدوء لا نفوذ لهم ولا دور .

•••

أرفض، ورفضت دائما، الادعاء القائل بأن ثورات الربيع تسببت فى كل الكوارث وصنوف المعاناة التى خضناها فى السنوات الأربع الماضية ولا نزال نخوضها. لم تكن الجماهير الثائرة وراء التخريب، بل كان وراءه كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية التى تحالفت أو تسللت لتسحق الثورة أو تضربها أو تسرقها لصالح التطرف والتشدد. أليس هذا ما فعله بهذه الثورات المغامرون فى بعض دول الجزيرة العربية، وفعله حكام غير ناضجين فى أوروبا أو استعجلوا فندم أكثرهم كما هو نادم الآن الرئيس أوباما. أليس هذا ما فعله معمر القذافى فى ليبيا، وما فعله ومازال يفعله بشار الأسد فى دمشق بطفولة خرقاء أو وحشية متناهية. أليس هذه هو ما يفعله الآن اعداء التغيير فى النظام الإقليمى العربى، والساعون إلى انفراط الأمة. هؤلاء، وليس الشعوب، هم وراء الفوضى الضاربة فى الشرق الأوسط .

•••

ستبقى أزمة الحكم والاستقرار مستعرة فى جميع أنحاء العالم العربى ثم فى تركيا. ستبقى الأزمة ما لم يسرع الحكام العرب فى حل المأزق الذى وضعوا أنفسهم فيه، مأزق الاصرار على شن حرب وراء أخرى على ثورات الربيع، والتصدى لها بالعنف اليومى وحروب الوكالة وتنشيط قوى التشدد الوحشى. يصرون أيضا على فتح ثغرات طائفية وعرقية أو يرفضون معالجتها. يلتزمون كذلك بكل العناد الممكن استمرار محاصرة قوى المجتمع المدنى. أخشى فى النهاية أن يستهين حاكم أو آخر باحتمال أن تنهض تنظيمات المجتمع المدنى للدفاع عن نفسها فيفاجأ بأنها لجأت إلى السلاح، وأغلبه متوافر بغزارة من ترسانات وفرتها حكومات عربية لقوى معادية للثورات. هكذا يتحول من مجتمع مدنى مسالم إلى مجتمع مدنى مسلح، بل هكذا راح ثائر فى تركيا يحذر حكومة أنقرة من عواقب عودتها إلى استخدام العنف ضد منظمات المجتمع المدنى ونشطائه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved