التحديات الواردة بعد مائة عام من سايكس ــ بيكو

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الجمعة 20 مايو 2016 - 9:35 م بتوقيت القاهرة

يشير مصطلح «سايكس ــ بيكو»، بمعناه الأبسط والأدق، إلى اتفاق جرى توقيعه فى مايو 1916 بين السير مارك سايكس، وهو دبلوماسى بريطانى خدم فى إبان الحرب [العالمية الأولى]، وبين الدبلوماسى الفرنسى فرانسوا جورج بيكو، ويتعلق بالوضع فى منطقة الهلال الخصيب (المشرق وبلاد ما بين النهرين) فى نهاية الحرب، انطلاقا من فرضية أن الإمبراطورية العثمانية، شريكة ألمانيا فى الحرب، آيلة إلى التقسيم بين القوى العظمى. وهكذا، خططت بريطانيا وفرنسا لتقاسم السيطرة والنفوذ فى المنطقة، مع جعل فلسطين كيانا دوليا.

وبناء على المصالح الاستراتيجية لبريطانيا ومطالبة فرنسا التاريخية بمكانة خاصة لها فى المشرق، جرى الاتفاق على أن تحصل بريطانيا على منطقة بلاد ما بين النهرين مع جسر برى إلى البحر الأبيض المتوسط، بينما تحصل فرنسا على لبنان وقسم كبير من سوريا.

 


إن اتفاق «سايكس ــ بيكو» هو فقط أحد مكونات الدبلوماسية السرية التى لها علاقة بمنطقة الشرق الأوسط فى زمن الحرب. إن المنظومة السياسية التى تمخضت عن المرحلة الأخيرة من الحرب وعن الحركة الدبلوماسية التى أعقبتها، كانت مغايرة كليا للواقع الذى تصوره كل من سايكس وبيكو، وذلك على الشكل التالى: 1ــ فلسطين على ضفتى نهر الأردن أصبحت منطقة انتداب بريطانى (قرار عصبة الأمم)؛ 2 ــ بموجب اتفاق بين رئيس الحكومة البريطانية [ديفيد] لويد جورج ورئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمنصو، تحول الموصل وشمال العراق من منطقة خاضعة لسيطرة فرنسية إلى منطقة خاضعة لسيطرة بريطانية، وجرى ضمهما إلى المملكة العراقية؛ 3 ــ كجزء من الاتفاق ذاته، أطلقت بريطانيا يد فرنسا فى المنطقة التى أعطيت لها، فاستغلت فرنسا ذلك لتوسيع مساحة لبنان على حساب سورية وقسمت سوريا إلى أربع ولايات؛ 4 ــ أنشأت بريطانيا «إمارة شرق الأردن» إرضاء للملك عبدالله، واقتطعتها لاحقا من أرض فلسطين الواقعة تحت الانتداب؛ 5 ــ لواء الإسكندرون على الحدود التركية ــ السورية أعطى مكانة خاصة، وفى نهاية المطاف تنازلت عنه فرنسا لمصلحة تركيا عشية الحرب العالمية الثانية.

إن الدول العربية التى نشأت بهذه الطريقة، مثل العراق وسوريا والأردن ولبنان، أصبحت جزءا من منظومة دول عربية أوسع لا تمت فى معظمها بأى صلة لاتفاق سايكس ــ بيكو.

وإذا نظرنا إلى الوراء، يمكن أن نرى بوضوح وطأة القدم الخشنة للاستعمار الأوروبى فى سلسلة الخطوات والأحداث السابق ذكرها. فعلى الرغم من أن سوريا والعراق ولبنان تشكل كيانات تاريخية وجغرافية، فإن الدول التى نشأت تحت هذه الأسماء كانت صلتها ضعيفة بالواقع على الأرض. وكانت ولادة لبنان الكبير خطأ جسيما زعزع تماسك واستقرار الكيان اللبنانى الذى هو أصغر حجما. وتحولت سياسة «فرق تسد» وضم أقليات إلى سوريا إلى عقبة رئيسية فى وجه تبلور كيان سورى. وهناك خطأ إضافى تمثل فى عدم استخدام المنطقة الواسعة على ضفتى نهر الأردن لخلق تمييز واضح بين كيان عربى وكيان يهودى. كما بقى الأكراد محرومين من وطن قومى.

تفاقمت هذه البشائر السيئة لاحقا مع حركة الوحدة العربية التى اعتبرت كل هذه الدول دولا عربية. بيد أن ضرورة الاعتراف بتنوع دول المشرق والتكيف وفق هذا التنوع من خلال بناء منظومة سياسية تعددية هو فى صميم العاصفة الهوجاء الحالية.

وضع اتفاق سايكس ــ بيكو على الصعيد القانونى

إن اتفاق سايكس ــ بيكو بين بريطانيا وفرنسا سنة 1916 يحدد نطاق النفوذ البريطانى ونطاق النفوذ الفرنسى فى الإمبراطورية العثمانية. وآنذاك كان للاتفاق المذكور صلاحية قانونية ملزمة فى كل من بريطانيا وفرنسا، ولكن كانت صلاحية مشروطة فيما يتعلق فقط بالحلفاء المشاركين فى هزيمة العثمانيين. وحقيقة أنه كان اتفاقا سريا ولم يأخذ بالضرورة فى الحسبان إرادات شعوب المنطقة، لم تؤثر فى طابعه الملزم وفق القانون الدولى.

فى إطار معاهدات سيفر (1920) ولوزان (1923)، تنازلت تركيا لكل من بريطانيا وفرنسا عن جميع مطالبها بالنسبة إلى أراضى الإمبراطورية العثمانية الواقعة خارج حدود تركيا الحديثة. وتبعا لذلك كان لبريطانيا وفرنسا الحق القانونى فى التدخل فى تلك المناطق. ولم يحدد اتفاق سنة 1916 بالتفصيل ما هى حدود المناطق المقصودة بذلك. لكن لاحقا، حددت سلسلة من الاتفاقيات، الموقعة سنة 1922 وسنة 1923 من جانب البريطانيين والفرنسيين، حدود كل من فلسطين (شملت الأردن الحالى)، ولبنان، وسوريا، والعراق. والقرار المتعلق بالحدود الإقليمية حصل على مصادقة عصبة الأمم، وبالتالى على شرعية دولية، علما بأنه من الوجهة القانونية كان القرار ملزما حتى من دون مصادقة عصبة الأمم.

وبموجب القانون الدولى الحديث، ترث الدول الجديدة تلقائيا الحدود التى تشكلت قبل استقلاله، وقد استُخدمت هذه القاعدة أيضا من جانب إسرائيل وجارتيها، مصر والأردن، فى معاهدات السلام فيما بينهما. ويحق للدول الجديدة الاتفاق فيما بينها على إجراء تعديلات فى الحدود التى رسمها الاستعمار، لكن فى غياب اتفاق كهذا، تبقى حدود الاستعمار القديمة. وفى جميع نواحى منطقة الشرق الأوسط استُبدل اتفاق سايكس ــ بيكو الأصلى باتفاقيات وتطورات لاحقة. غير أن الحدود التى رسمها البريطانيون والفرنسيون ضمن هذا الاتفاق، ونظرا إلى عدم وجود بدائل، بقيت حدود الدول فى هذه المنطقة.

هل هناك فرصة لاتفاق «سايكس ــ بيكو» جديد فى الشرق الأوسط؟

إن الحروب الأهلية التى اندلعت فى السنوات الأخيرة فى عدد من الدول العربية فى منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن صعود حركات تتغذى أساسا من ظاهرة التطرف الإسلامى، تشكل تحديا للبنية السياسية الحالية للمنطقة ولسيادة الدولة. ومن الصعب افتراض إمكان إعادة استتباب النظام القديم. وفى ضوء الواقع الإثنى والدينى المستجد، المطلوب هو نظام جديد أكثر تمثيلا، مع العلم بأنه من المهم فى المقابل الامتناع من خلق دول صغيرة، قدرتها على البقاء اقتصاديا وسياسيا ضئيلة للغاية.

وقد تكون ثمة ضرورة للجمع بين إعادة رسم الحدود وبين هيكليات سياسية جديدة لم يسبق استخدامها فى هذه المنطقة، مثل الفيدرالية أو الكونفيدرالية. ومع ذلك، يبدو أن الأقليات والفصائل والحركات المتنازعة لم تصل حتى الآن إلى مرحلة الاستعداد لدرس ترتيبات دائمة سياسية جديدة فى بيئتها الجغرافية، وأقل من ذلك استعدادا لرسم حدود جديدة. ولعل الظروف الحالية ليست ناضجة لهذا الأمر، بل أكثر، لعله من غير المرغوب فيه حاليا أن يجرى بشكل علنى مناقشة تعديل متفق عليه للحدود الحالية واستبدال النظام القديم القائم على حكومة مركزية بمنظومة حكم مختلفة. وبنفس المقدار من غير المجدى الافتراض أن القوى المحلية المتصارعة فى منطقة الشرق الأوسط ستكون مستعدة للعودة إلى الوضع القائم الذى كان سائدا قبل الحرب.

أضحى مشهد مندوبى قوتين كبيرتين خارجيتين يعقدان لقاء سريا ويتقاسمان المنطقة بين دولتيهما ويكرسان ذلك فى اتفاقات دولية، مستبعدا فى الزمن الحالى. ومع ذلك، كى يكون هذا الاتفاق احتمالا واردا، هناك حاجة إلى اتفاق مبادئ أولى بشأن تغيير بنية المنطقة بين اللاعبين الرئيسيين الخارجيين. سوريا والعراق يمكن أن يصبحا دولتين كونفدراليتين، من دون تعديل حدودهما الخارجية الحالية. أما الحدود الداخلية فيمكن تحديدها بصورة عامة، والاتفاق على التفصيلات فى مفاوضات تجمع الجهات التى من المتوقع أن تكون جزءا من الهيكلية السياسية الجديدة / الدول الفيدرالية الحديثة. ومن شأن «سايكس ــ بيكو جديد» أن يشمل أيضا تقسيما واسعا بين قوة المركز وقوى الوحدات المكونة للدول الفيدرالية.

وسيكون من الضرورى منع اللاعبين الإقليميين من تخريب مخطط الاتفاق المقترح، ضمن محاولة للإيقاع بين القوى الكبرى الخارجية من أجل إدامة الفوضى فى المنطقة. وتاليا، هناك ضرورة حيوية للتوصل على الأقل إلى تفاهم واسع واتفاق عام بين الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبى. وفقط عندئذ ستنضم الدول الرئيسية فى المنطقة: مصر؛ السعودية؛ الأردن؛ إيران؛ تركيا. وفى المرحلة الثالثة، سيُطلب من بعض اللاعبين المحليين إعطاء موافقتهم على المخطط المقترح.

تكمن إحدى نقاط الاختلاف الأساسية بين سنة 1916 وسنة 2016 فى عدم وجود قوة عظمى خارجية قادرة على فرض تسوية – حتى لو كانت تسوية متفقا عليها فى المجتمع الدولى. وفى هذا السياق، إن عدم استعداد لاعبين رئيسيين من خارج المنطقة لنشر قواتهم [العسكرية] فى الميدان يحرمهم من أداة فعل رئيسية. ومع ذلك، فإن منع وصول أسلحة إلى أيدى تنظيمات تعارض تسوية سياسية، ومنع انضمام متطوعين جدد إلى القوى المحلية، فضلا عن تدمير ترسانات ومخازن الأسلحة، من شأنه أيضا أن يسرع الاستعداد لإجراء تسويات.

لعله من السابق لأوانه إعلان «سايكس ــ بيكو» جديد، لكن آن الأوان كى يناقش اللاعبون الدوليون معالم نظام جديد فى منطقة الشرق الأوسط يبقى على أجزاء حالية [من النظام القديم] لا تزال ذات صلة، ويضيف إليها مكونات جديدة، بهدف الاستجابة لتغيرات جارية فى المنطقة خلال المائة عام الأخيرة.

من المنظور الإسرائيلى ــ الفلسطينى

من الواضح أنه فى إطار البحث عن نظام إقليمى جديد، لا يستطيع المجتمع الدولى تجنب التطرق إلى النزاع الفلسطينى ــ الإسرائيلى. فانهيار النظام القديم فى قلب منطقة الشرق الأوسط قد ولد تأثيرات متضاربة فى الطريق المسدود بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا ريب فى أنه يصعب تصور إقدام حكومة إسرائيلية على مجازفات فى الظروف الإقليمية الحالية، ومع ذلك فإن التطورات الحالية فتحت مجالا جديدا لأفكار وحلول خلاقة. وينبغى للإسرائيليين والعرب على حد سواء تذكر حقيقة أن نظام سايكس ــ بيكو كان من فعل قوى خارجية تدخلت فى المنطقة. واليوم، بعد مرور مائة عام على هذا الاتفاق، لدى شعوب المنطقة فرصة كى يصنعوا تاريخهم بأنفسهم.

إيتمار رابينوفيتش، وروبى سيبل، وعوديد عيران

باحثون فى معهد دراسات الأمن القومى

مباط عال

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved