المشروعات القومية والتهام السيولة

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الأحد 8 مايو 2016 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

قدمت الحكومة بيانها إلى البرلمان فى نحو مائتى صفحة وزعت ورقيا ولم تتح للشعب. اشتمل البيان على سبعة محاور، كان نصيب المحور الاقتصادى منها 55 صفحة أى قرابة 27% من البيان. وقد تناول المحور الاقتصادى كلا من: الرؤية وأهداف السياسة الاقتصادية، ومنطلقات السياسة الاقتصادية، ثم الآفاق والتطلعات لمستقبل اقتصادى واعد، وتلك الأخيرة تأسست على أربعة ركائز وكانت الركيزة الرابعة هى: «إنجاز المشروعات القومية». لكن الغريب أن بيان الحكومة قد خصص لتلك الركيزة وحدها 30 صفحة من المحور الاقتصادى أى نحو 55% من حجمه! وإذ تعكس هذه النسبة الوزن النسبى لأهمية المشروعات القومية فى بيان الحكومة، فهى تعكس أيضا رؤية للأزمة الاقتصادية الحالية وسبل الخروج منها بتخصيص الجانب الأكبر من الموارد المالية والبشرية والوقت لإنجاز اثنى عشر مشروعا قوميا.

صحيح أن الحكومة تعهدت بإيجاز فى بيانها بتمويل تلك المشروعات بنظم المشاركة بين القطاعين العام والخاص، وعبر مؤسسات التمويل (مزيد من الديون)، وأن يظل التمويل الحكومى فى أضيق الحدود كلما أمكن، وبعد ترتيب أولويات الإنفاق الاستثمارى (لا يمثل أكثر من 6,5% من الموازنة العامة الحالية أى نحو 2,7% من الناتج المحلى الإجمالى!)، لكن تظل المشكلة الأكبر والأسئلة العالقة هى: كيف يتحول الحلم إلى واقع؟ وما هو الفرق بين كاتب المقال إذ ينصح الحكومة ببدائل التمويل المشترك، وبين بيان للحكومة يجب أن يشتبك مع التفاصيل التى عادة ما تخفى الشيطان؟ كيف سيأتى التمويل، وما هى محفزاته؟ وما هى جدوى المشروعات؟ ولماذا لم تلحق دراسات الجدوى بالبيان؟ وهل دار بشأنها حوار مجتمعى متخصص، أو استطلع رأى شريحة من المستثمرين والمستفيدين قبل الشروع فى تنفيذها؟ هل تمت دراسة أسباب فشل المشروعات السابقة؟ وهل يكفى التعهد بتلافى أسباب الفشل فى عبارات إنشائية بغير دراسة؟.

كل مشروع قومى تم تقديمه كان يتطلب دراسة جدوى تفصيلية، سواء الجدوى الاقتصادية أو الاجتماعية التى ترجح إقامة المشروع إذا ما عاد بالنفع على المجتمع بما من شأنه تحقيق الرفاهة أو المساهمة فى تحقيق التنمية المستدامة. كنت شخصيا أفضل تشكيل فريقين من المتخصصين لدراسة كل مشروع، أحدهما مؤيد والآخر معارض، ثم يقوم كل فريق بعرض ما توصل له لإثبات وجهة نظره على الرئيس والحكومة والبرلمان قبل الاستقرار على تنفيذ أى من تلك المشروعات.

دراسات الجدوى وبدائل التمويل تظل العنصر الأهم والمهمل فى تقييم مشروعات توصف بأنها عملاقة. وإذ اصطلح على وصف المشروع العملاق بأنه المشروع الذى يتكلف أكثر من مليار دولار، فلا يمكن إغفال أثر تلك المشروعات على الموزانات العامة القادمة، كما لا يمكن إغفال أثر المزاحمة لتلك المشروعات على استثمارات القطاع الخاص المحلى والأجنبى، حيث من المتوقع أن تحرم الكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة من تدفقات الاستثمار التى هى شحيحة بالفعل لأسباب تتعلق بضعف الادخار المحلى وبعزوف الاستثمار الأجنبى عن الدخول فى الأسواق الناشئة وخاصة تلك التى تتعرض لتقلبات ومخاطر سياسية وأمنية. كما تزاحم تلك المشروعات العملاقة الكثير من المشروعات الكبرى القائمة والمحتملة فى أولوية الحصول على القروض البنكية وفى اكتتابات البورصة، بل ومن المتوقع أن تزاحم شركات قطاع الأعمال العام والتى تعتزم الحكومة إعادة هيكلتها وطرح أنصبة منها للاكتتاب العام!.

***

المشروعات الكبرى المقدمة أغلبها مشروعات بنية أساسية لأنها تنشئ مجتمعات جديدة، ويبرز فيها دور الدولة كمطور، علما بأن سائر المشروعات الاستثمارية الملحقة لا يمكن تقدير جدواها إلا بدراسات أكثر اهتماما بالتدفقات النقدية، يتولاها المستثمر الخاص الأحرص على ماله، ولا أعرف سببا لخلط البيان بين مشروعات غير هادفة للربح بطبيعتها وبين مشروعات هادفة للربح سوى محاولة لتضخيم العائد المحتمل!. قدمت حكومة جنوب أفريقيا برنامجا ضخما اختص بتطوير البنية الأساسية اعتبارا من عام 2013/2014 ولثلاث سنوات بقيمة 57 مليار دولار أمريكى. الحكومة البريطانية قدمت هى الأخرى خطة لتطوير البنية الأساسية بتنفيذ 600 مشروعا بداية من عام 2016 وحتى 2021 بقيمة 480 مليار جنيه استرلينى، ينفق منها حتى عام 2021 نحو 290 مليارا. لكن هذه المشروعات تم دراستها فى ضوء قدرات وبدائل التمويل وسبل اجتذاب الاستثمار الخاص وأولويات الاستثمار. هيكل تمويل مشروعات البنية الأساسية يصلح نموذجا للوقوف على المزيج التمويلى الأنسب لمشروعاتنا، ففى بريطانيا حصة المال الخاص فى تمويل المشروعات المزمع إقامتها لا يتجاوز 50% على الرغم من تقدم أساليب التسويق وتنوع أدوات التمويل. مشروعات النقل المزمع إقامتها وفقا للخطة البريطانية سوف تمول بنسبة 85% بمال عام بينما نصيب المال العام فى مشروعات الطاقة 5% فقط (National Infrastructure Delivery Plan 2016–2021). لم أجد هذا المزيج واضحا فى مشروعات البيان الحكومى، ولم أجده قريبا من مستوى الدقة أو التفصيل الذى توفره خطة الحكومة البريطانية وتتيحه للكافة.

تحتاج مصر إلى تطوير البنية الأساسية من شبكات مياه ورى وصرف إلى جانب شبكات الكهرباء والطرق التى توليها الحكومة عناية خاصة، لكنها تركز على تطوير الطرق السريعة، دون عناية تذكر بنظم الأمن والسلامة على الطرق القائمة والتى تقتل قرابة 12 ألف نفسا سنويا، ناهيك عن الطرق المخططة. تطوير البنية الأساسية للنقل يجب أن يأخذ فى الاعتبار تطوير ومد خطوط السكك الحديدية كبديل رئيس لنقل البضائع والأفراد، كما يجب ألا يغفل أهم عنصر فى التنمية والمستهدف بها وهو الإنسان الذى تأتى سلامته قبل أى شىء فى قرارات صانع السياسة بالدول المتقدمة.

نحن أمام 12 مشروعا أبرزها تنمية محور قناة السويس، وتنمية 1,5 مليون فدان، وتطوير الساحل الشمالى الغربى، والمثلث الذهبى، وإنشاء مدن جديدة.. بموازنة منهكة ذات عجز قياسى (11,5%) ودين عام كبير (94% من الناتج المحلى الإجمالى) ومعدلات تضخم متزايدة (11%) واحتياطى أجنبى متآكل (بالكاد يكفى واردات شهرين ونصف الشهر)، ومخاطر جيوسياسية هائلة، وأزمة فى الطاقة، وندرة محتملة فى مصدر الحياة الأول (المياه).. فهل هذا التوقيت مناسب لإقامة تلك المشروعات وجذب استثمارات خاصة لتمويلها؟!.

هذا النوع من المشروعات الكبرى هو بطبيعته آكل للسيولة، وبالوعة للموارد، ولا ينبغى الشروع فى تنفيذه إلا بتدبر سبل تمويله، وإذا كانت تلك السبل غير واضحة بعد، فإن احتمال إخفاق المشروع يكون أقرب، أما إذا كانت الإرادة السياسية تصب فى صالح إقامته على أية حال وبغض النظر عن معوقات إقامته أو تراجع جدواه، فإن فرص تعثر تمويله فى منتصف الطريق تكون كبيرة، وفرص عجزه عن تحقيق أهدافه إذا اكتمل تكون أكبر.

لقد التهمت توشكى القديمة نحو سبعة مليارات جنيه ولم تحقق أيا من أهدافها الإنمائية، سواء زيادة الحيز العمرانى إلى أكثر من 20%، أو الخروج من الوادى ومواجهة الأزمة السكانية، أو زيادة الإنتاج الزراعى عن طريق استصلاح 540 ألف فدان حول منخفضات توشكى، أو توفير 2,8 مليون فرصة عمل.. بل لم يتم استصلاح أكثر من 4% من المساحة المستهدفة للمشروع حتى عام 2010!، علما بأن ظروف مصر والاقتصاد العالمى عند اتخاذ قرار تدشين مشروع توشكى كانت أفضل. ومازالت «توشكى» حاضرة فى شكل مدينة جديدة من المدن التى يراد تطويرها ضمن المشروعات القومية ببيان الحكومة، لكن دون توضيح لكيفية التغلب على مشكلات تعثر المشروع القديم.

***

لم يتوقف بيان الحكومة عن تكرار كلمتى «التنمية المستدامة» أحيانا بمعنى النمو الاحتوائى وهذا غير صحيح، وأحيانا بدون أى مدلول، لأن العناصر الأساسية للتنمية المستدامة تقوم على مفاهيم حماية البيئة، والمسئولية الاجتماعية، والحوكمة والتى تصب جميعا فى مصلحة استدامة عملية التنمية البشرية والاقتصادية وصيانة حقوق الأجيال القادمة فى ثمارها وفى ثروات البلاد، علما بأن قرار العمل فى تلك المشروعات الكبرى قد حرم من المشاركة فى اتخاذه الأجيال الحالية ناهيك عمن هم فى عالم الذر الذين سيتحملون سداد الديون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved