اقتصاد ما بعد كورونا

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 3 مايو 2021 - 8:35 م بتوقيت القاهرة

أروع ما فى علم الاقتصاد أنه يعزز فى حامله فضيلة الشك فى كل قرار. والشك المقصود هنا هو ما يحمل الاقتصاديين على وضع كفة ثالثة فى ميزان تقييم القرارات الاقتصادية. القرارات النقدية والمالية والتجارية تتخذ على مدى الساعة، والحاجة إلى تقييمها قبل إنفاذها باتت أكثر إلحاحا من أى وقت مضى. نعرف ذلك لكثرة العدول عن القرارات بعد اتخاذها واللجوء إلى مراجعتها وتقييمها كرد فعل طبيعى لعدم تحقيقها للغرض الذى صدرت من أجله. لا نرى ذلك فى مصر والدول النامية وحسب بل نشهده فى كبرى الدول.
منذ أن تولى الرئيس الأمريكى «جو بايدن» سدة الحكم والجدل لا ينقطع عن مدى نكوصه عن تشجيع النظام الرأسمالى الذى تقوم عليه البلاد، وعن ردة الديمقراطيين عن هذا النظام، خاصة ما يتعلق بالإبقاء على الحوافز الضريبية التى أقرها «ترامب»، فضلا عن سائر المزايا التى كانت آثارها على مؤشرات البورصات حجة الجمهوريين الأبرز فى مواجهة أى اعتراض على رجحانها. مثال ذلك قرارات المعاملة الضريبية المفروضة على أصحاب الشريحة العليا للدخل فى الولايات المتحدة الأمريكية. قرار سياسى يتجاذبه الجمهوريون والديمقراطيون لأغراض تتعلق بجمع الأصوات فى الانتخابات. فريق يرى أن الخفض الضريبى يشجع الإنفاق ويحفز على زيادة الإنتاجية والتشغيل، ومن ثم خفض البطالة وتحفيز النمو. وفريق يرى أن رفع فئة الضريبة على تلك الشريحة يساعد على توزيع الدخل بشكل أفضل بين طبقات المجتمع، ويعزز إيرادات الدولة، ويعمل على تخصيص الموارد بكفاءة أكبر.
***
لكن دارس الاقتصاد وحده يمكنه تدقيق النظر فى أثر الدخل وأثر الإحلال ليخرج بمسلك ثالث بين المذهبين. يتعين على رجل الاقتصاد أن يطرح أولا بعض الأسئلة، قبل أن يكون رأيا حاسما فى أية مسألة.
كذلك فعل الاقتصادى الشهير «بول كروجمان» الحائز على جائزة نوبل فى الاقتصاد، والمنتمى إلى المدرسة الكينزية الحديثة، حينما تعرض لتلك المسألة فى مقال حديث له بجريدة نيويورك تايمز تحت عنوان ترجمته «لماذا لا يعمل الخفض الضريبى على الأغنياء؟».
أولا يجب أن يتعرف الباحث الاقتصادى على طبيعة توزيع الدخل فى مختلف الشرائح. قرار الخفض أو الإعفاء الضريبى يصدر لصالح شريحة ما تحصل على دخل لا يقل سنويا عن ٦٠٠ ألف دولار مثلا. لكن توزيع الدخول بين المنتمين لتلك الشريحة شديد التحيز والانحراف، بحيث يحصل ما يقرب من ٠.١% من المنتمين إلى الـ1% الأعلى دخلا على ما يزيد على ٥٠% من إجمالى الدخول السنوية لتلك الواحد فى المائة! ما يتفق مع تحليل سابق لكل من «توماس بيكيتى» و«إيمانويل سيز».
ضريبة الدخل التصاعدية على الشرائح العليا هى ضريبة حدية، فكل دولار فوق قيمة ما (وليكن ٦٠٠ ألف دولار سنويا) يخضع لمعدل ٣٧%، لكن معظم الدخل يخضع لفئات ضريبية أقل. إذن لو أعاد «بايدن» محاسبة الفئة الأعلى بمعدل ٣٩.٦% فإن هذه الفئة الضريبية الكبيرة لن يخضع لها سوى الدخل الفائض عن الحد السنوى المذكور. ولما كان توزيع الدخول فى الشريحة العليا شديد التحيز والانحراف لصالح طبقة رقيقة جدا من المجتمع، فإن النسبة الغالبة من دخول تلك الطبقة الرقيقة فقط سوف تخضع حتما للتعريفة العليا، فما أثر ذلك على سلوكهم الاقتصادى؟ هل يعد ذلك حافزا سلبيا لهم على العطاء؟ يرى «كروجمان» عكس ذلك، فلربما يكون الأثر محفزا لمزيد من الإنتاجية لتعويض ما اقتطع من الضرائب والحفاظ على الوجاهة الاجتماعية المنشودة. أصحاب هذا القدر من الدخول يشبعون بالفعل جميع رغباتهم، ويحافظون على قيمة مرتفعة للدخل بغرض المباهاة والمقارنة مع الأشباه. ومن ثم فلن يعمل أى حافز ضريبى أثره مع فاحشى الثراء على النحو المتوقع حدوثه مع الفئات متوسطة ومنخفضة الدخل. الخفض الضريبى يعنى مكافأة إضافية لأصحاب الدخول الضخمة، ومن الطبيعى تخصيص تلك المكافأة على مصارف الترفيه واللهو وما يلزمه من تخفيض ساعات العمل، وهو بالضبط عكس ما يحدث مع الطبقات الفقيرة والأقل ثراء، التى مازالت تطمح فى استغلال حافز الخفض الضريبى لتلبية حاجات أساسية، وتوفير هامش للادخار بغرض الاستثمار وزيادة الإنتاج.
***
إذن يحتمل القرار المالى عددا من الآثار المتوقعة، ومن الممكن أن يؤتى أثرا «عكس» الذى أراده مصدره، وليس فقط أثرا مغايرا. لذا فلا يمل الاقتصاديون من توجيه الأسئلة المُفضية إلى معلومات قبل حسم الرأى فى أية مسألة... السؤال عن طبيعة توزيع الدخل كان هاما جدا لرسم سيناريوهات ما بعد الخفض الضريبى... والسؤال عن العائد من رفع الفئة الضريبية على شريحة بعينها يجب أن يوضع فى ميزان واحد مع تكلفة القرار، وآثاره على سوق المال وجذب الاستثمارات وغير ذلك من تداعيات اقتصادية.
كان هذا منهجنا عندما اتخذ البنك المركزى المصرى قراراته المتتالية برفع أسعار الفائدة بعد تحرير سعر الصرف. البحث عن نسبة الرفع وتوقيته وإشاراته وأثره على الطلب الكلى... إلى غير ذلك من معطيات كان من الممكن أن يثنى صانع القرار عن بعض التدابير، وأن يحرضه على اتجاه آخر.
الاقتصاد الرأسمالى ما بعد كورونا يدخل منعطفا جديدا تعكف على إدراكه كبرى المراكز البحثية وبنوك الأفكار فى العالم. استطلاعات الرأى فى الدول الرأسمالية تصب فى اتجاه تحسين توزيع الدخول، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الرعاية الصحية والضمان الاجتماعى للجميع وبغير تمييز. المزاج العام فى الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا بات محملا بأوجاع العوز، وضريبة الوباء التى قدمت المجتمعات الأفقر لقمة سائغة للفيروس القاتل فى غيبة اللقاحات وأسرة المستشفيات وأجهزة التنفس ووسائل الوقاية. الهبات التقليدية وأعمال الإحسان لم تعد كافية للسيطرة على طوفان الغضب فى دولة مثل فرنسا (راجع استطلاعات الرأى التى أجراها مركز الأبحاث pew) التى تصل فيها نسبة الرفض للنظام الاقتصادى إلى ٧٠%! فلا الفقراء راضين بالقرارات الاقتصادية الداعمة لهم والتى تعد الأكبر فى أوروبا، ولا الأغنياء يرون النظام مواتيا ومشجعا لهم على الاستمرار والتوسع.
تدشين نظام اقتصادى عالمى جديد ليس أمرا مستبعدا، وجميع دول العالم فى حاجة إلى أفكار اقتصادييها من أجل المساهمة فى هذا المشروع العظيم، وتحقيق المواءمة بين الواقع المحلى لكل دولة وإقليم، وبين ملامح هذا النظام الجديد.
ينبغى على مصر التى كانت حاضرة دائما فى مشهد صناعة التاريخ وتكوين ضمير البشرية ونشأة علومها، ألا تغيب عن مشهد استخلاص نظام اقتصادى جديد من قلب تلك المحنة التى لم يسبق لها مثيل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved