نظرات وآراء في الجامعات

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: الجمعة 1 سبتمبر 2023 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

بعد أسابيع قليلة يستعد الطلاب لبدء العام الدراسى الجامعى. بعض هؤلاء الطلاب سيدخلون الجامعة لأول مرة. الطلاب الذين يدخلون المرحلة الثانوية بدأت أنظارهم تتجه نحو التعليم الجامعى والاستعداد له بدءا من اختيار التخصص ثم اختيار نوع الجامعة (حكومية أو أهلية أو خاصة) ثم اختيار الجامعة نفسها. مقال هذا الأسبوع يتألف من ملاحظات وآراء متفرقة عن الجامعات، قد تبدو الأفكار متفرقة لكن يجمعها ارتباطها بالتعليم الجامعى. إذا استعرنا عبارة الكاتب الكبير عباس العقاد فيمكننا القول إن مقال اليوم هو «أشتات مجتمعات» حول الجامعة والتعليم والجامعى.
...
من أهم النقاط المتعلقة بالجامعة هو التصنيف. هناك عدة تصنيفات للجامعات فى العالم وكل تصنيف يعتمد على عدة عناصر يتم تجميعها وترتيب الجامعات تبعا لمن يسجل أرقاما أعلى فى تلك العناصر. هناك عناصر كثيرة تدخل فى المعادلة سنتحدث هنا عن أهمها:
• من العناصر المهمة عدد الأبحاث المنشورة فى السنة الماضية (تصنيف الجامعات يتغير كل سنة) فى المجلات والمؤتمرات المعتبرة.
• عامل آخر متعلق بالعامل السابق هو التمويل الذى حصل عليه الأساتذة لأبحاثهم فى السنة السابقة.
• من العناصر أيضا نسبة الخريجين الذين وجدوا وظائف بعد تخرجهم مباشرة، وهذا يستلزم مخاطبة الطلاب الذى تخرجوا فى السنين الماضية.
• نسبة الأساتذة للطلاب عنصر مهم لأنه كلما زادت تلك النسبة زاد اهتمام الأستاذ بالطالب.
• هناك استبيانات يتم ارسالها للطلاب والشركات والأهل للسؤال عن مدى رضاهم عن التعليم فى الجامعة ومستوى الخريجين.
• بعض التصنيفات أيضا تأخذ فى الاعتبار الجوائز الكبرى التى حصل عليها الخريجين مثل جوائز نوبل وبوليتزر إلخ.
يأتى إلى الذهن سؤال مهم: هل نأخذ بتلك التصنيفات «عميانى»؟ أم أن هناك بعض الأخطاء وجب علينا تجنبها؟
...
هناك نوعان من التصنيفات: تصنيف الجامعة ككل وتصنيف الجامعة فى كل تخصص على حدة، فقد تكون الجامعة فى المرتبة العاشرة ككل لكنها الأولى فى هندسة الإلكترونيات مثلا. لذلك يرى كاتب هذه السطور أن التصنيف العام (أى للجامعة ككل) لا يجب أن يعتد به إلا كعنصر من عناصر القوة الناعمة للدولة. التصنيف المهم عندما يريد الطالب الالتحاق بالجامعة هو ترتيب الجامعة فى التخصص الذى يرغب الطالب فى دراسته.
النقطة الثانية التى يجب أن نأخذها فى الاعتبار متعلقة بالتصنيف نفسه. إذا تأملت العناصر التى سردناها أعلاه ستجد أن أغلبها متعلقة بالبحث العلمى وليس التدريس، لذلك فى بعض الأحيان وجود الجامعة فى ترتيب متقدم لا يعنى بالضرورة أن التعليم بها جيد خاصة فى مرحلة البكالوريوس.
حيث إننا ذكرنا التعليم وحيث إن الذكاء الاصطناعى بدأ يتغلغل فى جميع مناحى الحياة فلنتحدث عن أثره فى التعليم.
...
منذ عدة أسابيع كان لى الشرف أن تتم استضافتى فى برنامج إذاعى جميل وكانت الحلقة عن تأثير تطبيقات الذكاء الاصطناعى على الأطفال والشباب. بعد عدة أيام كان لى الشرف أيضا أن تمت استضافتى فى برنامج شهير على إحدى القنوات الفضائية للحديث عن الذكاء الاصطناعى والتعليم. أعتقد أن بعض ما ناقشناه فى تلك الحلقات يصلح للتعليم الجامعى. ما هو تأثير استخدام الذكاء الاصطناعى فى العلمية التعليمية الجامعية؟
تطبيقات الذكاء الاصطناعى يمكن استخدامها من الأستاذ ومن الطالب. الأستاذ يمكنه استخدامها فى التحضير للدروس ووضع الامتحانات وفى بعض الأحيان فى تصحيح الامتحانات أيضا، هذا شىء جيد إذا كان الأستاذ سيراجع ما تنتجه هذه البرمجيات لأنها حتى الآن غير دقيقة فى بعض الأحيان.
بالنسبة للطالب البرمجيات قد تساعده فى حل الامتحانات أو المشاريع وهذا يعتبر غشا ما لم يكن بعلم الأستاذ وأن الطالب يقرأ ما تنتجه تلك البرمجيات لتصحيحها والزيادة عليها والحذف منها. فى المستقبل القريب البرمجيات ستقوم مقام المدرس الخصوصى الذى لا يمل والذى سيقوم بالشرح بالطريقة التى تلائم كل طالب وهذا شىء جيد. لكن كل تلك التطبيقات لن تكون مجانية وإذا تُركت الأمور على عواهنها فإنا سنرى «تفرقة تكنولوجية» بين الغنى والفقير من الطلاب. هذا يأخذنا للقطة التالية وهى المصاريف الجامعية.
...
مصاريف التعليم الجامعى من الأمور الحساسة خاصة وأهالى الطلاب مرهقين ماديا بعد معركة الثانوية العامة، لكن لنكن صرحاء، بناء وإدارة جامعة تعطى تعليما متميزا وأبحاثا قوية يحتاج تمويلا كبيرا لذلك المجانية التامة للتعليم لا تستقيم هنا. الطالب الجامعى قد يكون متفوقا أو ضعيفا. الطالب الجامعى أيضا قد يكون مقتدرا ماديا أو غير مقتدر. هذا التقسيم يعطينا أربعة أنواع من الطلاب: المقتدر المتفوق، المقتدر الضعيف، غير المقتدر المتفوق وغير المقتدر الضعيف. ولا أعنى بغير المقتدر هنا الفقر المدقع، ولكن من لا يستطيع دفع مصاريف الجامعة. الطالب المتفوق المقتدر يدفع جزءا من المصاريف، الطالب الضعيف والمقتدر يدفع كل المصاريف. جزء من هذه المصاريف تساهم فى دفع تكاليف تعليم الطالب المتفوق غير المقتدر. يتبقى الطالب الضعيف غير المقتدر. هنا يجب أن نقول إنه لا يوجد طالب ضعيف فى كل المجالات، قد يكون الطالب ضعيفا فى مجالات التعليم الجامعى لكنه موهوب فى التعليم الفنى مثلا. تلك النقطة الأخيرة لا نستطيع تطبيقها مرة واحدة لأنه للأسف النظرة المجتمعية للتعليم الفنى وما شابهه ليست مشجعة للشباب للانخراط فى هذه النوعية من التعليم التى نحتاجها بشدة وتدر أموالا طائلة للموهوبين فيها. نحتاج من علماء النفس والاجتماع أن يؤهلوا المجتمع لتقبل هذا النوع من التعليم المهم جدا. قد يتساءل البعض وماذا عن الطالب العادى غير المتفوق، ولكنه أيضا ليس ضعيفا؟ حل هذه المعضلة هو جعل المصاريف تصاعدية أو تنازلية حسب قدرات الطالب، والمنح الدراسية أيضا تصاعدية أو تنازلية (منحة كاملة، نصف منحة، إلخ). هذا مجرد اقتراح يخضع للنقاش لكنه يعتبر نقطة بداية لمناقشة تلك النقطة المتعلقة بمجانية أو عدم مجانية التعليم الجامعى.
...
فى هذا المقال تحدثنا عن الجامعات من عدة زوايا. يجب أن نضع نصب أعيننا أن إنشاء جامعة هى نقطة بداية، لكن ارتقاء تلك الجامعة فى التصنيفات ومساهمتها فى رقى التعليم والبحث العلمى فى البلاد هو طريق طويل لا تظهر نتائجه إلا بعد عقود، لا يوجد طريق سريع لذلك. الاستثمار فى التعليم الجامعى نتائجه تظهر على المدى المتوسط والطويل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved